شوقي ضيف
336
المدارس النحوية
واضحة إلى أن كتب ابن جنى عرفت على الأقل منذ عصره بمصر . ويلقانا في عصر المستنصر الفاطمي نحوىّ كبير هو ابن « 1 » بابشاذ طاهر بن أحمد المتوفى سنة 469 للهجرة ، وقد رحل إلى بغداد وأخذ عن نحاتها وعلمائها ، وبذلك اتصل مباشرة بنحو البغداديين ، وعاد إلى موطنه فتصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص مع إشرافه على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمي إلى الأطراف ، وله في النحو تصانيف سارت - كما يقول القفطي - مسير الشمس ، منها « المقدمة » في النحو وشرحها وشرح الجمل للزجاجى أحد أئمة النحو البغدادي . وكانت له تعليقة كبيرة في النحو كتبها في غرفة بجامع عمرو انقطع فيها بأخرة للعبادة والنسك ، ويقال إنها كانت في نحو خمسة عشر مجلدا ، وإنها ظلت تنتقل من تلميذ إلى تلميذ حتى نهاية القرن السادس ، وكانوا يسمونها « تعليق الغرفة » . ومن مصنفاته « شرح الأصول » لابن السراج وكتاب المحتسب بناه على عشرة أشياء : الاسم والفعل والحرف ، والرفع والنصب والجر والجزم ، والعامل والتابع والخط ، وله عليه شروح ، واختصره ابن عصفور . وتدور لابن بابشاذ في كتب النحو آراء مختلفة يتفق في طائفة منها مع الكوفيين والبغداديين والبصريين ، مما يدل دلالة واضحة أنه كان يمزج بين كل تلك المذاهب ، فمن ذلك أن البصريين كانوا يمنعون عمل إذن النصب في المضارع وهي مفصولة عنه بأي معمول له ، وأجاز ذلك الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين وتوسط ابن بابشاذ بين الطرفين المتعارضين فجوّز الفصل بالنداء والدعاء مثل إذن يا زيد أحسن إليك وإذن - يغفر اللّه لك - يدخلك الجنة « 2 » . وكان يجيز - مع الكوفيين والأخفش - ترخيم الاسم الثلاثي المحرك الوسط مثل حكم فيقال : يا حك « 3 » . وكان يرى رأى ابن درستويه البصري القائل بأن المبتدأ في مثل « ضربي العبد مسيئا » لا خبر له « 4 » . وذهب مع الفارسي والسيرافى إلى أن عامل المستثنى
--> ( 1 ) راجع في ترجمة ابن بابشاذ نزهة الألباء ص 361 ومعجم الأدباء 12 / 17 وإنباه الرواة 2 / 95 وابن خلكان 1 / 235 وشذرات الذهب 3 / 333 ومرآة الجنان 3 / 98 وبغية الوعاة ص 272 . ( 2 ) الهمع 2 / 7 والمغنى ص 16 . ( 3 ) الهمع 1 / 182 . ( 4 ) الرضى على الكافية 1 / 94 .